أحمد زكي صفوت
413
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
( عرفتهم أطفالا ورجالا ، فهم أهل المكر والغدر ) وأنكم إن فارقتم رأيي جانبتم الحزم ؟ فعصيتموني وأكرهتمونى حتى حكّمت ، فلما أن فعلت شرطت واستوثقت ، فأخذت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن ، وأن يميتا ما أمات القرآن ، فاختلفا وخالفا حكم الكتاب والسنة ، وعملا بالهوى ، فنبذنا أمرهما ، ونحن على أمرنا الأول ، فما الذي بكم ، ومن أين أتيتم ؟ » . قالوا : إنا حكّمنا ، فلما حكمنا أثمنا ، وكنا بذلك كافرين ، وقد تبنا ، فإن تبت كما تبنا ، فنحن منك ومعك ، وإن أبيت فاعتزلنا ، فإنا منابذوك على سواء « 1 » إن اللّه لا يحب الخائنين » . فقال علىّ : « أصابكم حاصب « 2 » ، ولا بقي منكم وابر « 3 » ، أبعد إيماني برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهجرتي معه ، وجهادي في سبيل اللّه ، أشهد على نفسي بالكفر ؟ لقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين ، فأوبوا شرّ مآب « 4 » ، وارجعوا على أثر الأعقاب « 5 » أما إنكم ستلقون بعدى ذلّا شاملا ، وسيفا قاطعا ، وأثرة « 6 » يتخذها الظالمون فيكم سنّة » .
--> ( 1 ) هو من قوله تعالى ( وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ ) ومعناه إذا هادنت قوما فعلمت منهم النقض للعهد ، فلا توقع بهم سابقا إلى النقض حتى تعلمهم أنك نقضت العهد ، فتكونوا في علم النقض مستوين لئلا يتهموك بالغدر . ثم أوقع بهم . ( 2 ) الحاصب : الريح الشديدة تثير الحصباء ( الحصى ) ، وحصبه : رماه بالحصباء . ( 3 ) أي أحد . ويروى آبر ، وهو الذي يأبر النخل أي يصلحه . ويروى آثر ، وهو الذي يأثر الحديث أي يرويه ويحكيه . ويروى آبز ، وهو الواثب . ( 4 ) أي ارجعوا شرّ مرجع . ( 5 ) الأعقاب جمع عقب ( بكسر القاف ) : وهو مؤخر القدم ، وهو مأخوذ من قوله تعالى : « وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ » يدعو عليهم بانعكاس حالهم وارتدادهم وعودهم من العز إلى الذل . ( 6 ) أي استبدادا عليكم بالفيء والغنائم .